ابن الأثير

557

الكامل في التاريخ

ففطنوا ولم يفطن عمر ، فقالوا : إنّما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا . فنادى في النّاس ، وخرج معه العبّاس ماشيا فخطب وأوجز وصلّى ثمّ جثا لركبتيه وقال : اللَّهمّ عجزت عنّا أنصارنا وعجز عنّا حولنا وقوّتنا وعجزت عنّا أنفسنا ولا حول ولا قوّة إلّا بك ، اللَّهمّ فاسقنا وأحي العباد والبلاد ! وأخذ بيد العبّاس بن عبد المطّلب عمّ رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وإنّ دموع العبّاس لتتحادر على لحيته ، فقال : اللَّهمّ إنّا نتقرّب إليك بعمّ نبيّك ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وبقيّة آبائه وكبر رجاله فإنّك تقول وقولك الحقّ : وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [ 1 ] فحفظتهما بصلاح آبائهما ، فاحفظ اللَّهمّ نبيّك ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، في عمّه ، فقد دلونا به إليك مستشفعين مستغفرين . ثمّ أقبل على النّاس فقال : استغفروا ربّكم إنّه كان غفّارا . وكان العبّاس قد طال عمره وعيناه تذرفان ولحيته تجول على صدره وهو يقول : اللَّهمّ أنت الراعي فلا تهمل الضالّة ولا تدع الكسير بدار مضيعة ، فقد صرخ الصغير ورقّ الكبير وارتفعت الشكوى ، وأنت تعلم السرّ وأخفى ، اللَّهمّ فأغنهم بغناك قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنّه لا ييأس إلّا القوم الكافرون . فنشأت طريرة من سحاب ، فقال النّاس : ترون ترون ! ثمّ التأمت ومشت فيها ريح ثمّ هدأت ودرّت ، فو اللَّه ما تروّحوا حتى اعتنقوا الجدار وقلّصوا المآزر ، فطفق النّاس بالعبّاس يمسحون أركانه ويقولون : هنيئا لك ساقي الحرمين ! فقال الفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب : بعمّي سقى اللَّه الحجاز وأهله * عشيّة يستسقي بشيبته عمر

--> [ 1 ] ( سورة الكهف 18 ، الآية 82 ) .